
تتداول أسعار خام برنت قرب مستوى 102 دولار للبرميل، بعدما ارتدت من قاع عند 100.65 دولار إلى أعلى مستوى 103 دولارات، عقب تقرير أفاد بتوقف الضخ مجددًا في خط أنابيب الشرق-الغرب بالسعودية إثر هجوم استهدف محطة ضخ في خريص شرق الرياض.
ورغم عودة المخاوف بشأن إمدادات النفط السعودية، جاء رد فعل السوق أكثر هدوءًا مقارنة بما حدث في سبتمبر، عندما قفز سعر خام برنت إلى نحو 108 دولارات للبرميل، ما يطرح تساؤلات حول أسباب اختلاف استجابة الأسعار للحدثين.
توقف خط أنابيب الشرق-الغرب مجددًا
أفادت وكالة فرانس برس، نقلاً عن مصدر في قطاع الطاقة السعودي، بأن خط أنابيب الشرق-الغرب تعرض لهجوم جديد، ما أدى إلى توقف محطة الضخ في خريص.
وأوضح المصدر أن محطة الضخ في خريص لم تكن قد تعرضت للاستهداف من قبل، مشيرًا إلى أن الأضرار التي لحقت بالمنشأة كبيرة وأن الخط توقف مجددًا.
وجاء ذلك بعد إعلان جماعة الحوثي اليمنية، قبل يوم من التقرير، استهداف مواقع تابعة لشركة أرامكو، من بينها منشآت في خريص، وفقًا لما أوردته وكالة فرانس برس.
في المقابل، لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي من وزارة الطاقة السعودية أو شركة أرامكو بشأن حجم الأضرار أو الجدول الزمني المتوقع لإعادة تشغيل الخط، ما يجعل الأسواق في انتظار مزيد من التفاصيل الرسمية.
ويستند التقرير إلى مصدر واحد غير معلن في قطاع الطاقة.
أهمية خط الشرق-الغرب لسوق النفط
يمتد خط أنابيب الشرق-الغرب لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، وتصل طاقته التصميمية إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا.
وينقل الخط الخام من مناطق الإنتاج في شرق السعودية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، ما يمنحه أهمية استراتيجية باعتباره مسارًا بديلًا لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.
وكان الخط قد توقف في 11 سبتمبر الماضي بعد هجمات بطائرات مسيرة، قالت الرياض إنها انطلقت من العراق، قبل أن يظل متوقفًا لنحو 11 يومًا.
وبحسب بيانات Kpler، استؤنف تشغيل الخط في 22 سبتمبر، لكن بمعدلات أقل، إذ بلغت التدفقات نحو 3.5 مليون برميل يوميًا بالتزامن مع عودة شحنات النفط من ينبع.
لماذا لم يقفز برنت بقوة كما حدث في سبتمبر؟
رغم أهمية توقف خط الشرق-الغرب، فإن حركة أسعار النفط جاءت أقل حدة من رد الفعل الذي شهدته الأسواق في سبتمبر، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل رئيسية.
1. الأسواق أصبحت أكثر خبرة بتداعيات توقف الخط
يرى محللون أن الأسواق أصبحت أكثر قدرة على تقييم تداعيات توقف خط الشرق-الغرب بعدما شهدت توقفه في سبتمبر لفترة امتدت لنحو 11 يومًا قبل عودة التشغيل.
وبحسب تحليل Newsquawk، فإن تأثير الضربة المنفردة على أسعار النفط يمكن أن يتراجع بمجرد التأكد من استئناف تشغيل الخط، بينما تؤدي الهجمات المتكررة على المسار نفسه إلى زيادة علاوة المخاطر بصورة أكثر استدامة، خاصة في أسعار الشحن والتأمين ومنحنى العقود الآجلة.
لذلك يفضل المتداولون في الوقت الحالي انتظار تأكيد رسمي بشأن حجم الأضرار والمدة المطلوبة للإصلاح قبل تسعير انقطاع طويل الأمد في الإمدادات.
2. وجود هوامش إضافية في المعروض النفطي
تستفيد الأسواق حاليًا من عدد من عوامل الدعم التي تحد من ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة.
فقد اتفقت مجموعة السبع يوم الجمعة على إطلاق نحو 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل من المخزونات الطارئة، في محاولة لتعويض جانب من اضطرابات الإمدادات.
كما استبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حظر على صادرات الديزل الأمريكية، في وقت أظهرت فيه بيانات Kpler ارتفاع صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط إلى مستويات تجاوزت مستويات ما قبل الحرب خلال الأسبوع الماضي.
وتشير تقديرات نقلتها BusinessToday إلى أن صادرات دول الخليج عادت إلى أكثر من 14 مليون برميل يوميًا، بما يعادل نحو 80% من مستوياتها قبل الحرب.
وفي الوقت نفسه، خفضت أرامكو أسعار البيع الرسمية لشحنات نوفمبر إلى آسيا بأوسع خصم منذ عام 2020، وهو ما ساهم في تهدئة مخاوف نقص الإمدادات الفورية.
3. ضعف الاقتصاد وقوة الدولار يضغطان على النفط
تزامنت التطورات الجيوسياسية مع مؤشرات اقتصادية سلبية، بعدما أظهر تقرير الوظائف الأمريكي إضافة 29 ألف وظيفة فقط، ما عزز المخاوف بشأن قوة الاقتصاد والطلب على الطاقة.
كما ارتفع الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوياته منذ أبريل 2025، وهو ما يشكل عامل ضغط إضافيًا على السلع المقومة بالعملة الأمريكية، ومن بينها النفط.
وكان خام برنت قد أنهى تعاملات الجمعة عند 102.25 دولار للبرميل، مقارنة مع 105.28 دولار في 28 سبتمبر.
لماذا يصعب على برنت الهبوط دون 100 دولار؟
رغم العوامل التي تحد من ارتفاع النفط، لا تزال هناك أسباب تدفع الأسعار للحفاظ على مستويات مرتفعة نسبيًا وعدم الانخفاض بسهولة دون حاجز 100 دولار للبرميل.
استمرار اضطرابات مضيق هرمز
لا يزال مضيق هرمز بعيدًا عن العودة إلى حركة الملاحة الطبيعية، إذ تؤكد طهران أن المضيق سيظل مغلقًا حتى تحقيق سبعة شروط.
ويعزز ذلك أهمية خط الشرق-الغرب ومسارات التصدير عبر البحر الأحمر، باعتبارها بدائل استراتيجية لنقل الخام بعيدًا عن المضيق.
تكرار استهداف خط الإمدادات
يمثل توقف خط الشرق-الغرب للمرة الثانية خلال أقل من شهر عاملًا مهمًا بالنسبة للمتداولين، إذ يزيد من مخاوف تحول الهجمات إلى نمط متكرر بدلًا من كونها حادثة منفردة.
وفي حال استمرار الاستهداف أو اتساع نطاق الأضرار، فقد ترتفع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط مجددًا.
تأثير مؤقت للإفراج عن المخزونات
يشير تحليل Newsquawk إلى تحذير منسوب إلى أرامكو من أن تأثير الإفراج عن المخزونات النفطية الطارئة قد يكون مؤقتًا، ما يعني أن السوق قد تعود إلى التركيز على أساسيات العرض والطلب بمجرد انتهاء تأثير تلك البراميل.
مخاطر استنزاف المخزونات
حذرت كورنيليا ماير من شركة Meyer Resources في 28 سبتمبر من اعتماد عدد من الدول على مخزوناتها النفطية، مشيرة إلى أن الأسواق تسعر بالفعل وجود خطر مستمر يتمثل في إمكانية عودة المواجهة الأمريكية-الإيرانية بعد انتخابات التجديد النصفي.
كما حذر رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، الميجر جنرال عبد اللهي، من أن أي حرب جديدة ستكون شاملة وستطال جميع الأطراف، وهو ما يبقي المخاطر الجيوسياسية حاضرة في سوق النفط.
ما العوامل التي تراقبها الأسواق؟
يركز المتعاملون في سوق النفط خلال الفترة المقبلة على مجموعة من المؤشرات والتطورات التي يمكن أن تحدد الاتجاه القادم لأسعار برنت.
ومن أبرز هذه العوامل:
صدور تأكيد رسمي من وزارة الطاقة السعودية أو أرامكو بشأن حجم الأضرار التي لحقت بخط الشرق-الغرب.
الكشف عن الموعد المتوقع لاستئناف تشغيل الخط بكامل طاقته.
متابعة بيانات تحميل النفط في ينبع، خصوصًا من خلال بيانات Kpler وVortexa.
مراقبة مستويات المخزون النفطي المتاحة في ينبع.
حركة خام برنت داخل نطاق يتراوح بين 100.65 و103.40 دولار للبرميل.
اختراق برنت مستوى 103.40 دولار قد يشير إلى أن السوق بدأت في تسعير احتمال استمرار توقف الإمدادات لفترة أطول.
متابعة جدول الإفراج عن المخزونات النفطية من جانب مجموعة السبع ومدى تأثيرها على الفروق السعرية في العقود الفورية.
تطورات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب.
أي هجمات جديدة على منشآت النفط أو خطوط النقل.
التصريحات الإيرانية المتعلقة بالمواجهة الإقليمية وإمكانية عودة التصعيد.
أسعار النفط أمام اختبار جديد
يبدو أن سوق النفط يتعامل مع توقف خط الشرق-الغرب هذه المرة بحذر أكبر، بعدما أثبتت تجربة سبتمبر أن توقف الخط لا يعني بالضرورة استمرار نقص الإمدادات لفترة طويلة.
لكن استمرار الهجمات أو ارتفاع حجم الأضرار، بالتزامن مع استمرار اضطرابات مضيق هرمز، قد يعيد إشعال علاوة المخاطر ويدفع خام برنت إلى مستويات أعلى.
وفي المقابل، فإن الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية وعودة جزء كبير من صادرات المنطقة، إلى جانب قوة الدولار ومخاوف تباطؤ الاقتصاد العالمي، تمثل عوامل قد تحد من مكاسب النفط.
وبالتالي، يظل تأكيد حجم الأضرار وموعد إعادة تشغيل خط الشرق-الغرب العامل الأكثر أهمية في تحديد ما إذا كان ارتفاع برنت الحالي مجرد رد فعل مؤقت أم بداية لموجة صعود جديدة.
مصدر الخبر: Investing.com، نقلًا عن وكالة فرانس برس ومصادر وبيانات Kpler وNewsquawk وBusinessToday.

