
قد تبدو فكرة إعادة شراء الأسهم بسيطة في ظاهرها؛ فإذا كانت شركة تملك 100 سهم وتحقق أرباحًا سنوية قدرها 100 دولار، فإن ربحية السهم تبلغ دولارًا واحدًا. لكن إذا استخدمت الإدارة جزءًا من السيولة المتاحة لشراء 10 أسهم وإخراجها من التداول، فإن نصيب السهم من الأرباح يرتفع نظريًا إلى نحو 1.11 دولار، حتى من دون زيادة في المبيعات أو تسارع في النشاط التشغيلي.
لكن هذه العملية تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل كان توجيه النقد نحو تقليص عدد الأسهم القائمة أفضل من استثماره داخل الشركة؟
ومع شركة إنفيديا، يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية، بعدما أعلنت الشركة إضافة 150 مليار دولار إلى برنامج إعادة شراء أسهمها، ليرتفع إجمالي التفويض إلى 235 مليار دولار، على أن تستمر عمليات الشراء حتى السنة المالية 2028.
235 مليار دولار.. رقم ضخم ولكن
يبدو حجم البرنامج ضخمًا، لكنه لا يعني أن إنفيديا ستنفق المبلغ كاملًا على الفور.
فالتفويض بإعادة شراء الأسهم لا يمثل التزامًا بتنفيذ عمليات الشراء بالكامل، إذ تستطيع الشركة تعديل وتيرة الشراء وفقًا لسعر السهم، واحتياجات التشغيل، وفرص الاستثمار المتاحة، كما ينص إفصاحها التنظيمي على إمكانية تعليق البرنامج في أي وقت.
وتنتهي السنة المالية لإنفيديا في آخر أحد من شهر يناير، ومن موعد الإعلان وحتى نهاية يناير 2028 يتبقى نحو 16 شهرًا. وفي حال تنفيذ كامل التفويض بوتيرة متساوية خلال هذه الفترة، فإن الشركة ستحتاج إلى إنفاق ما يقارب 176 مليار دولار سنويًا.
مقارنة برنامج إعادة الشراء بالنقد الذي تولده إنفيديا
توضح الأرقام أن برنامج إعادة الشراء البالغ 235 مليار دولار يفوق بكثير حجم السيولة النقدية الموجودة لدى الشركة حاليًا.
فقد بلغ التدفق النقدي الحر لإنفيديا 69.9 مليار دولار خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية، بينما أنفقت الشركة فعليًا 39.8 مليار دولار على إعادة شراء الأسهم خلال الفترة نفسها.
وفي المقابل، بلغت نفقات البحث والتطوير نحو 13.4 مليار دولار خلال النصف الأول، في حين بلغ رصيد النقد والأوراق المالية القابلة للتداول 56.6 مليار دولار بنهاية يوليو.
كما تمتلك إنفيديا أوراقًا مالية في شركات مدرجة بقيمة تبلغ نحو 42.8 مليار دولار.
وبالتالي، فإن الشركة لا تمتلك 235 مليار دولار نقدًا جاهزة لإعادتها إلى المساهمين، بل يعتمد تنفيذ البرنامج بصورة كبيرة على التدفقات النقدية التي ستولدها الشركة مستقبلًا.
هل يتعارض إعادة شراء الأسهم مع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي؟
رغم ضخامة الإنفاق المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي، فإن نموذج أعمال إنفيديا يمنحها قدرة على توليد النقد تختلف عن الشركات التي تتحمل معظم النفقات الرأسمالية المرتبطة ببناء مراكز البيانات.
فالعملاء هم الذين يتحملون جانبًا كبيرًا من الاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات، بما يشمل الأراضي والكهرباء والمولدات وأنظمة التبريد والخوادم.
أما إنفيديا، فتركز على تصميم الرقائق والمنصات، وتعتمد على سلسلة توريد خارجية لتصنيع جزء كبير من منتجاتها، وهو ما يسمح لها بزيادة الإيرادات دون الحاجة إلى زيادة المصانع المملوكة لها بالوتيرة نفسها.
وتظهر هذه النقطة في أرقام الشركة؛ إذ أنفقت إنفيديا 13.375 مليار دولار على البحث والتطوير خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية، بزيادة بلغت 62% على أساس سنوي، وكان نمو البنية الحاسوبية المستخدمة في عمليات البحث والتطوير أحد أبرز أسباب ارتفاع المصروفات.
وفي الفترة نفسها، بلغ الإنفاق على شراء الممتلكات والمعدات والأصول غير الملموسة 4.434 مليار دولار، إضافة إلى مدفوعات رأسمالية مرتبطة بها بقيمة 92 مليون دولار.
وبذلك تستطيع الشركة تمويل خريطة منتجاتها، وحجز طاقة تصنيع، وشراء القدرات الحاسوبية اللازمة للبحث والتطوير، مع الاحتفاظ بتدفقات نقدية كبيرة.
وكان الرئيس التنفيذي جنسن هوانج قد أوضح عند الإعلان عن البرنامج أن قدرة إنفيديا على توليد النقد تتيح لها تمويل التقنيات التي تدفع تحول الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع إعادة رأس المال إلى المساهمين.
كيف يؤثر برنامج إعادة الشراء على ربحية سهم إنفيديا؟
ارتفع سهم إنفيديا بنحو 1.7% في يوم الإعلان، في الوقت الذي تراجع فيه السوق الأوسع، إلا أن التأثير الأهم لإعادة الشراء لا يرتبط بالحركة اليومية للسهم، وإنما بالأثر الميكانيكي الناتج عن تقليص عدد الأسهم القائمة.
وعند سعر إغلاق 28 سبتمبر البالغ 228.86 دولار، فإن مبلغ 235 مليار دولار يكفي نظريًا لشراء نحو 1.03 مليار سهم.
وبالمقارنة مع نحو 24.147 مليار سهم قائم في 26 يوليو، فإن تنفيذ كامل البرنامج عند هذا السعر يعادل نحو 4.25% من الأسهم.
وفي حال ظل صافي الربح ثابتًا، ولم تصدر الشركة أسهمًا جديدة، وتم تنفيذ عمليات الشراء بالكامل حول هذا السعر، فإن تقليص عدد الأسهم بهذا الحجم سيرفع ربحية السهم نظريًا بنحو 4.4%.
لكن هذه النتيجة تظل نظرية، لأن عدد الأسهم القائمة يتأثر أيضًا بإصدارات الأسهم وبرامج تعويض الموظفين.
الأسهم المعاد شراؤها.. هل يتم إعدامها؟
في حالة إنفيديا، لا تقتصر المسألة على الاحتفاظ بالأسهم التي تعيد الشركة شراءها كأسهم خزينة.
ففي السنة المالية 2022، قرر مجلس الإدارة إعدام 349 مليون سهم خزينة، وأوضحت الشركة أن الأسهم التي ستتم إعادة شرائها مستقبلًا ستصبح أسهمًا مصرحًا بها وغير مُصدرة.
ولا يعني مصطلح «الإعدام» أن الأسهم تختفي بصورة نهائية من القدرة القانونية للشركة على إصدارها مستقبلًا، لكنها تخرج من الأسهم القائمة، وبالتالي لا تحصل على توزيعات أرباح ولا تمنح حقوق تصويت طالما ظلت غير مصدرة.
ومن الناحية الاقتصادية، يظل الأثر الأساسي هو انخفاض عدد الأسهم القائمة.
هل ينخفض عدد أسهم إنفيديا فعليًا بنفس حجم عمليات الشراء؟
هنا تظهر نقطة مهمة عند تقييم برنامج إعادة الشراء.
فإنفيديا أعادت شراء نحو 203 ملايين سهم خلال النصف الأول من العام الجاري، لكنها أصدرت في المقابل نحو 69 مليون سهم.
ونتيجة لذلك، انخفض عدد الأسهم القائمة من 24.304 مليار سهم إلى 24.147 مليار سهم فقط، أي بانخفاض صافٍ يبلغ نحو 157 مليون سهم.
ويرتبط جزء من ذلك بتعويضات الموظفين القائمة على الأسهم، والتي بلغت تكلفتها نحو 3.95 مليار دولار خلال النصف الأول.
وسبق لإنفيديا أن أوضحت أن أحد أهداف برنامج إعادة شراء الأسهم يتمثل في موازنة التخفيف الناتج عن الأسهم الممنوحة للموظفين.
ولهذا، فإن تقييم برنامج إعادة الشراء لا ينبغي أن يعتمد فقط على حجم الأموال التي تنفقها الشركة، وإنما على مدى انخفاض عدد الأسهم القائمة بعد احتساب الأسهم الجديدة.
سعر السهم عامل حاسم في نجاح إعادة الشراء
تضيف الدراسات الأكاديمية تحفظًا آخر عند تقييم برامج إعادة شراء الأسهم، إذ خلصت إحدى الدراسات إلى أن برامج إعادة الشراء لم تتبعها، في المتوسط، زيادة في الأداء التشغيلي.
كما أشارت دراسة أخرى إلى أن النتائج طويلة الأجل كانت أفضل بصورة خاصة عندما تمت عمليات الشراء في أسهم «قيمة» بدت منخفضة التقييم، بينما لم يظهر الأثر نفسه في أسهم النمو ذات التقييمات المرتفعة.
وبالتالي، فإن فعالية البرنامج لا تعتمد فقط على قدرة الشركة على توليد النقد، وإنما أيضًا على السعر الذي تدفعه مقابل أسهمها.
إنفيديا بين الاستثمار وإعادة رأس المال
في الوقت الحالي، لا تبدو إنفيديا مضطرة بالضرورة إلى الاختيار بين الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وإعادة رأس المال إلى المساهمين، إذ تسمح تدفقاتها النقدية بتمويل المسارين في الوقت نفسه.
فقد ولدت الشركة 69.9 مليار دولار من التدفق النقدي الحر خلال النصف الأول، رغم زيادة نفقات البحث والتطوير بأكثر من النصف على أساس سنوي.
لكن المعادلة قد تتغير إذا تباطأ الطلب على منتجات الذكاء الاصطناعي، أو احتاجت خريطة المنتجات المستقبلية إلى استثمارات رأسمالية أكبر، أو ارتفع سعر سهم الشركة إلى مستويات لا تتناسب مع نمو أرباحها المستقبلية.
في هذه الحالة، يصبح شراء الأسهم منافسًا مباشرًا للاستثمار داخل الشركة، بدلًا من أن يكون مجرد استخدام لفائض نقدي.
ولهذا، فإن الرقم البالغ 235 مليار دولار ليس المؤشر الوحيد الذي يستحق المتابعة خلال الفصول المقبلة، بل إن المؤشر الأكثر أهمية سيكون مدى انخفاض عدد الأسهم القائمة مقابل كل دولار تنفقه إنفيديا على إعادة الشراء.
المصادر: أرقام، رويترز، بيانات وتقارير إنفيديا، إفصاحات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، ودراسات أكاديمية حول برامج إعادة شراء الأسهم.

